|
إن أفضل طريقة لوصف شعور أن يقرأ الناس لك بعدما كنت تقرأ لهم هو عبر تشبيهه برعايتك لطفل طوال سنوات تمر وأنت تهتم به وتطّور مهاراته بحيث يكبر ويصبح قادراً على المضي قدماً بمفرده، محققاً رؤيتك التي وضعتها له.
وحين يقول الآخرون: “هذا ابن فلان، أحسن تربيته فأصبح كفئاً يُعتمَد عليه ويخطُّ المنجزات بأنامله”، فإن انتشاءة الاعتزاز التي تنفخ أوداجك تجسّد غبطتك الفائقة بقراءة الناس لما خطّتهُ أناملك بعناية حرصتَ عليها أشد الحرص، وهو ما أسميها “غبطة الكاتب”.
راودني ذلك الشعور الرائع أول مرة حين كنتُ لا أزالُ طالباً في كليات التقنية العليا، حيثُ قررتُ في صيف السنة الثانية توظيف المهارات الجديدة التي اكتسبتها في اللغة الإنجليزية بكتابة قصة تمثل لي تحدياً لما نهلته.
اقتربتُ بتلك التجربة إلى غبطة الكاتب الأولى، ولكنني لم ألمسها بسبب اقتصار توزيع القصة على مكتبات كليات التقنية العليا وضعف الترويج لها من قبل أمنائها، فلم يعرف عنها سوى النزر اليسير.
كتبتُ بعد تخرجي مقالات عديدة هنا وهناك، ولكنها لم تمنحني “غبطة الكاتب” التي أبتغيها لعدم معرفتي بآراء القراء حولها، هذا عدا عدم احتوائها على خصوصية تمنحني تفرداً، فكتّاب المقالات كُثر. إلا أن اللحظة الذهبية جاءت حين نشرتُ روايتي الأولى “عندما تطمح المرأة” في فبراير من عام 2007م.
تفاعُل القراء وردود الأفعال حول الرواية سواءً إلى بريدي الإلكتروني أو سجل الزوار الخاص بموقعي الإلكتروني كانت بمثابة الوقود الذي ملئني نشوةً ومنحتني شرف تجربة “غبطة الكاتب” أخيراً، ذلك الشعور الدافئ الذي يدفعُ بالدماء إلى العروق، لتضخَّ القلب بنشاط متطرف حتى يقترب إلى درجة الانفجار!
استحسان القراء لمولودي الأول وضعني أمام تحدي كبير وأثقَلَ كاهلي بمسؤولية متابعة العطاء، وهو ما بذلتُ جهدي للمحافظة عليه وأنا أخطُّ حروف روايتي الثانية “خيوط عنكبوتية”، واضعاً نصب عينيْ ضرورة التفوُّق على روايتي الأولى، أو المحافظة على المستوى على الأقل.
“غبطة الكاتب” وليمة وجدانية تنعش القلب وتثير الجوارح بمنجز يبعث الفخر والاعتزاز في المرء، شرط أن ترمي إلى أهداف نبيلة تتخذ من التغيير والإصلاح منهجاً لها، فتنأنى بنفسها عن الإثارة والتدمير لعالم يكفيه ما فيه!
|