|
خرجت عيناي من محجريهما، وكادتا تسقطا مع سماعة الهاتف التي هوت على سطح المكتب، ظللت أنظر إلى شاشة الحاسوب المطفأ غير مصدق ما سمعت..
انتبهت أخيراً إلى الصيحات المكتومة الصادرة من السماعة، للحظة استغربت صدور تلك الأصوات من تلقاء نفسها، لكنني أدركت سرها، فرفعتها قائلاً:
- أحقاً ما تقول؟
- أجل يا عبدالله، لقد ظهر اسمك ضمن الدفعة المستحقة للمساعدات السكنية ببرنامج الشيخ زايد للإسكان، وعليك مراجعتهم خلال هذا الأسبوع. فمبارك لك.
أخيراً، ملاذ آمن سيضمني وزوجتي وابني بعيداً عن القمقم الذي وُضعت فيه لعامين كاملين وسط اكتظاظ إخوتي الكبار وزوجاتهم وحشود أبنائهم.
لم أعرف كيف وصلت إلى البيت، وهرعت إلى مساحة خالية قرب غرفتي كنت أريد بناء مطبخ صغير فيها، وصرخت بشكل تلقائي:
- كفى!
التفتت إلي زوجتي خولة مذهولة، وكذلك أخي عمر والمقاول، فكانت الأولى الأسرع في التساؤل عن انفعالي..
- لا داعي لبناء مطبخ بعد الآن..
وشرحت الأمر.. تهللت أسارير خولة ولمستُ رغبتها المكبوتة لمعانقتي، فلم أنتبه إلى تهنئة عمر القصيرة وأنا أمسك بيد خولة متوجهاً نحو غرفتي.
استوقفني المقاول قائلاً:
- ولكننا جهزنا المواد اللازمة لبناء الأساسات!
- انسَ أمرها وسوف أدفع مستحقاتها.
زحفت الساعات المتبقية من ذلك اليوم زحفاً، وفي اليوم التالي توجهت إلى المصرف للحصول على تمويل مناسب لتوفير تكلفة ملاذي الآمن الذي تقت إليه طويلاً، ملاذ زوجتي الذي سيخلصها من تعقيدات زوجات أشقائي المستمرة، وملاذ ابني الذي ضيَّقت عليه الجدران الخناق.
أشرفت على بناء منزلي بكثافة، وغيرت في المخطط ألف مرة، عاماً بأكمله انتظرت حتى انتهيت من البناء، لم أنتظر حتى أنتهي من تأثيثه، أسرتي ستبث فيه الحياة، وما الأثاث سوى شكليات يمكنها الانتظار. مرح ابني سعيد كثيراً في المنزل، فقد كبر عاماً وهو يستمع مني لوصف منزل لا يعرف معناه، هذا إن فهم ما أقوله أصلاً.
مرح سعيد الساحة الأمامية فرحاً، بينما دخلتُ وخولة إلى صالة المنزل التي أضاءت بمناظر زينتها مخيلاتنا حول كيف نريدها أن تكون، وسمعنا قرقعة الماء تصدر من المطبخ، وشممنا رائحة الغداء التي تعده الخادمة..
انقطعت تأملاتي فجأة حين سمعت صراخ سعيد، فهرعت إليه ووجدته يمسك بأذنيه متألماً، ثم انتبهت إلى صدور صوت بوق مدوٍ لم يكتفِ بتمزيق طبلة أذني، وإنما منزلي الذي بدأ يتداعى تدريجياً.
خفق قلبي بعنف وأنا أطلق يديَّ في الهواء محاولاً لملمة المشهد الذي تكسر من حولي، ثم ارتج رأسي بصوت طرق على زجاجة سيارتي..
سيارتي!
حينها أدركت أنني كنت في سيارتي منذ أن قصدت المصرف، ولم أبرح مكاني بعد الخروج منه خائباً، فانطلقت مخيلتي لترسم واقعاً أتمناه، وأصبح صعب المنال.
فما ذنبي حين تمتنع المصارف عن تمويل بناء منزلي بسبب التزاماتي المصرفية الأخرى، والتي ما تراكمت إلا لتوفير مصروف زواجي وسيارتي؟
قصدت مختلف المصارف والبرامج التمويلية من دون جدوى، فالإجابة هي ذاتها.
فكيف لي أن أبنيك يا منزلي، هل لك أن تخبرني؟
|