|
عمت فرحة عارمة شريحة كبرى من الإماراتيين العاملين في الحكومة الاتحادية (بالإضافة إلى العسكريين المحليين في حكومة أبوظبي) بعد الإعلان عن زيادة رواتبهم (الأساسية) بنسبة 70% بدءاً من مطلع العام القادم.
ولاشك بأن البعض-إن لم يكن الكل-كانوا ينتظرون زيادة بنسبة 100% طبقاً للإشاعات التي تم ترويجها في مختلف الأوساط منذ أشهر (أحاديث المجالس، رسائل نصية قصيرة..الخ) وأسوةً بالزيادة السخية التي طالت موظفي حكومة أبوظبي من المدنيين ومن بعدهم العسكريين في حكومة دبي (حيث ينطلق راتب أصغر ضابط برتبة ملازم من 20,000 درهم)، إلا أنهم-أي موظفي الحكومة الاتحادية وعسكريي حكومة أبوظبي-طائرين من الفرحة مما حدا ببعض وسائل الإعلام إلى تسمية افتتاحيتها تلك الزيادة السخية “بعيدية العيد”!
وأنا قطعاً لا أريد أن أحبط معنويات إخواني المستفيدين-وأنا منهم-ولكنني أريد أن ألفت أنظارهم إلى أمر ربما يغيب-أو فات-عنهم بخصوص زيادة الأسعار المتوقعة من قبل أشرار الدرك الأسفل المترصدين لأية زيادة هنا وهناك ليطلقوا العنان لوحوشهم الغاشمة بالانقضاض على زياداتنا قبل أن نهنأ بها!
أقول هذا وأنا أسترجع قراراً سابقاً قبل سنتين بزيادة رواتب موظفي الحكومة الاتحادية (وما تلاه من زيادة مماثلة في الحكومات المحلية تباعاً) بنسبة 25% (من الراتب الأساسي)، فقد أحسست شخصياً بأنني لم أهنأ بتلك الزيادة أبداً، إذ أتت زيادة الوقود بعده بأسابيع لتحرق الدراهم الإضافية التي تمت إضافتها لراتبي الإجمالي!
ومنذ ذلك الوقت وموجة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية تقبض على أنفاسنا دون تعب أو كلل، ففي مجال الأغذية لم تترك لا حليباً ولا لبناً ولا رغيفاً إلا ولوثتهم بسعرات حرارية إضافية بتنا نضطر إلى بلعها قبل حتى أن ندفع ثمنها.
وأما المواد الأخرى فحدث ولا حرج، إذ أتت تلك الوحوش حتى على أسطوانات الغاز التي نحصل من خلالها على أغذيتنا المطبوخة، ولربما جاء وقت استخدام المواقد الكهربائية!!
وأما الإيجارات، فهي من الفداحة بحيث تحتاج بمفردها إلى موضوع مستقل لما لها من تلاطمات تتكالب علينا كما تتكالب الأكلة على قصعتها!
ففي ذلك الوقت-أي قبل سنتين-لم أشعر بطعم الزيادة كما شعر بها الغوغاء من التجار لأنها فعلياً لم تدخل جيبي أبداً بل عمرت جيوبهم السوداوية، والتي لا يتسرب منها شيء قط حتى ولو انبعثت فيها ثقوب سوداء!
وبشكل عام، فالزيادة تلك أدت إلى ارتفاع الراتب الإجمالي لموظفي الحكومة الاتحادية، أي ازداد القيمة الرقمية للفرد، ولكن لم ترتفع طاقته الشرائية قط، بل وربما انخفضت لدى البعض!
وقد تمنيت في ذلك الوقت لو أن الدولة استعاضت عن زيادة رواتبنا بكبح جماح الغوغاء وقطعت أذيالهم السحلية ومن ثم داست عليها حتى لا تقوم لهم قائمة ويحدثوا ثقوباً في جيوبنا ومن ثم يفردوا أثوابهم ليلتقطوا زياداتنا ويهنئوا بها بدلاً منا!
تمنيت لو أن الجهات المختصة أصدرت قراراً يلزم جميع المعنيين بتثبيت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والعقارية وغيرها، تمهيداً لسن زيادات سنوية (لا يومية!) ثابتة بنسب محددة (5% على سبيل المثال) للتحكم في معدلات التضخم وعدم تركها تفلت من أيادي الجهات المختصة!
تمنيت لو أن الجهات المختصة درست آثار الزيادة على تنشيط جشع الأشرار وتكسير مجاديف المساكين لكي يخرجوا بتوصية مفادها أحد الحلين التاليين:
1) إما أن يتم كبح جماح الأسعار وتقنينها تحت زيادة سنوية معقولة.
2) أو تعديل قانون الخدمة المدنية، باب الرواتب بحيث يرتبط الراتب الأساسي للموظف بمعدلات التضخم في الدولة. وعليه، فإن راتب الموظف يزيد تلقائياً بزيادة معدلات التضخم في الدولة ليتناسب مع غلاء المعيشة، كما هو حاصل في بعضاً من الدول الغربية (وذلك حسبما سمعت في أحاديث عدة).
الآن جاءتنا-ولله الحمد-زيادة تفوق زيادة 2005، ولكن جشع الأشرار لن يتوقف طالما أنهم يوقنون بغياب الرقابة عليهم، وقد بدأ ذلك بالفعل بزيادة الخبز (الصمون) إلى درهمين بعدما كان بدرهم واحد والخبز (اللبناني) بثلاثة بعدما كان بدرهمين!
أتمنى فعلاً بدلاً من زيادة الرواتب أن يتم زيادة الطاقة الشرائية، لأنها وحدها الكفيلة بتمكيننا من الإبحار في مستنقع وحوش زيادة الأسعار نحو بر الأمان…
|