|
هكذا وبلا مقدمات، تخيلتُ نفسي بعد عشرون عاماً من الآن (أي في عام 2030)، أعرجُ على منزل ابنتي الكبرى شذى في الخامسة مساءً فلا أجدها، بل أجدُ زوجها (ولنسمهِ أحمداً) يداعب ابنهما سلطان (إن كانا سيسميانهِ كذلك)، قبل أن يشتدَّ بكاءهُ فجأة، فأشعرُ بالشفقة على أحمد حين أراهُ حائراً ضائعاً وأسألهُ:
“هل شرب حليبه؟”
“أجل يا عماه”
“إذن فهو يريد أن ينام، هزَّهُ قليلاً ليفعل.”
وبالفعل، يخلد سلطان إلى النوم، فأسألُ أحمد مستنكراً: “ما بالي أراكَ تبادلتَ الأدوار مع ابنتي؟”
ينظرُ إليَّ أحمد بصمت برهةً، ثم يردُّ مستسلماً: “وكيف لا نفعل وقد فُتحت الأبواب على مصراعيها للسماواة المطلقة ما بين الرجل والمرأة!؟”
أراني بعد هدير تلك الصفعة القوية أنتظر قدوم ابنتي وأنا أتميز غضباً، وحين تدلفُ إلى صالة منزلها أستوقفها دون أن أردَّ على تحيتها، فأمسك يدها بقوة وأُجلسها على المقعد صائحاً: “هل سئمتِ من طبيعتكِ حتى تتقمصي غيرها؟”
ترمقني شذى بغرابة ولا تقول شيئاً، فأهدأ رويداً حين المحُ أطيافاً تتطاير من عيناها لترسم كلمات أبى لسانها على التجرؤ بنطقها لغضبي الشديد.
حينها أدركُ بأن المشكلة لم تبدأ حينئذٍ بل بدأت الآن، أو قبل ذلك بسنين.
فنحن حين نفتخر بأن فُتحت الأبواب أمام انخراط المرأة في كافة مجالات الحياة وتمكينها من الإضطلاع بأدوارها لتنمية المجتمع، فإننا أيضاً نستغرب حين تبذل شريحة أخرى جل جهودها لاقتحام مجالات الرجل الشاقة والتفاخر بالقدرة على القيام بها باقتدار، بل وربما أفضل من الرجل نفسه!
حتى وسائل الإعلام نراها هي الأخرى جوقة تردد ذات الإسطوانة، خاصة حين تفرد في تقاريرها مصطلحات رنّانة مثل “المرأة تخترق المجال الفلاني الذي كان حكراً على الرجل أبد الدهر”، وكأنها بذلك خطّت منجزاً جديداً تاقت لها البشرية منذ قرون!
ومتى كنا نريد للمرأة أن تحل محل الرجل أو أن يحل هو محلها؟
لا نريد مساواة، فهي غير مجدية، هذا عدا استحالتها طبعاً. ما نريدهُ هو تكامل الأدوار بأن يؤدي كل فرد دوره لتكتمل دورة الحياة، وليس أن يؤدي كل فرد دور الآخر، بل ويتنافس عليه!
ولعلي بالغت قليلاً في تصوري المستقبلي أعلاه، ولكنني أردتُ دق ناقوس خطر المطالبة العمياء بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة. فهل نتوقع أن يكون للطفل مثلاً أبٌ وشبيهٌ له في هيئة أم؟!
المرأة خُلقت لتكون شقيقة الرجل، رقيقة المشاعر، مرهفة الإحساس، وخصبة الخيال. إنها القارورة التي وصانا رسولنا الكريم-صلى الله عليه وسلم-بالرفق بها.
أنتِ جميلةٌ هكذا يا أختاه، فلمَ تسعين لخلاف ذلك؟
|