|
فوجئتُ قبل أسابيع بناقد وروائي سوري يبادر إلى تقديم قراءته النقدية لروايتي الأولى “عندما تطمح المرأة”، وقد سرَّني ذلك الأمر وأحزنني في الأمر ذاته.
سُررتُ لأن أحد المثقفين الأكارم تجشم مشقة قراءة روايتي الطويلة وتقديم رؤى مفيدة حولها لي وللقراء معاً، وأحزنني أن تلك المبادرة أتت من خارج الوطن قبل داخله.
ولكننا في النهاية وطن عربي واحد، فأشكركَ أخي الكريم هيثم حسين واسمح لي أن أفرد قراءتك القيمة تلك في موقعي هذا:
«عندما تطمح المرأة» للروائيّ الإماراتيّ سلطان الزعابي
تشهد الرواية الخليجيّة انتعاشاً بيّناً، يتوافق مع انتعاش المجتمع، وتغيّر نمط المَعيشة، يؤكّد هذا التقدّم ظهور عدد من الروائيّين الشباب في مختلف الدول الخليجيّة. يبرز في الإمارات الروائيّ الشابّ سلطان الزعابيّ الذي يتبدّى ملتزماً في طروحاته ورؤاه الروائيّة..
يحاول الروائيّ الإماراتيّ سلطان الزعابيّ في روايته «عندما تطمح المرأة»، «ثقافة للنشر، الإمارات»، مقاربة جوانب من حياة المجتمع في الإمارات، عبر عدّة شخصيّات تتنقّل في أمكنة مختلفة، من هذه الشخصيّات الفاعلة: «حميد، دانة، شذى، منى، سلطان، عبيد، محمّد، خالد، شيخة، عبدالله، علياء…». يقدّم مقترحات روائيّة على أسئلة كثيرة تدور في أذهان الناس من قبيل: ما الذي يحدث عندما تطمح المرأة..؟ ما الذي يتغيّر عندما تطمح المرأة..؟ هل يمكن الحديث عن أيّ تغيير منشود، من دون أن يكون هذا التغيير مرفوقاً ومتوازياً بإفساح المجال للمرأة كي تحقّق طموحاتها، ومساعدتها على ذلك، ولاسيّما في المجتمعات التي تدأب في البحث عن تقدّم مأمول..؟ هل يمكن للمرأة أن تطمح في مجتمع يحطّ من قيمتها وشأنها، ولا يترك لها حرّيّة اختيار ما يتوافق مع إمكانيّاتها وطموحاتها وطاقاتها..؟
نقرأ في الفصل الأوّل مساجلة بين خالد ومحمّد؛ الزوجين اللذين ينتظران قدوم مولودهما في المستشفى، وتدور المساجلة حول الرغبة في قدوم طفلة أم لا، تنتهي المساجلة لصالح محمّد الذي يقنع خالداً أنّ المرأة هي العمود الفقريّ للمجتمع، ويحثّه على التسليم بالمقدَّر له، وأن يكون قنوعاً بما هو نصيبه، يقنعه اعتماداً على النصوص المقدّسة، يخلق عنده تفاؤلاً بالمستقبل. بالفعل يقتنع صديقه برأيه، ويتنازل عن بعض آرائه المتخلّفة، لكنّه يتفاجأ بعد دقائق بصديقه غير موجود حيث كان، وحين يسأل عنه، يكتشف أنّه قد خرج من المشفى من دون أن يعلمه بذلك، ما خلق عنده التساؤلات حول مبادرته تلك، وظلّت التساؤلات تعصف بعقله إلى أن أدرك عدم جدواها طالما أنّه يجهل الظروف التي دفعته إلى أخذ زوجته إلى مستشفى آخر، بحسب ما قيل له.
يركّز الكاتب على فعل الولادة، تكون الولادة هي الدائرة الصغيرة التي تخلق دوائر تكبر شيئاً فشيئاً، ذلك أنّ فعل الخلق والتكوين هو الأساس الذي يتمّ البناء عليه. والولادة الفيزيقيّة تقابل وتوازَى وتتشابك مع ولادة رمزيّة لدولة تقرّر أن يكون لها شأنها الكبير في المنطقة والعالم. وهذا الشأن المشتهى لا يتأتّى من فراغ، بل يحتاج إلى تكاتف وتعاون وعناد في سبيل إنجاز المراد إنجازه، والمخطّط له. ولا يمكن إنجاز أيّ شيء من دون أن يكون المجتمع بكامله مساهماً في عملية البناء، أي أنّ المجتمع بحاجة إلى طاقات جميع أفراده، رجالاً ونساء، حيث يدعو الكاتب، عبر القصص المعروض، وفي خلفيّة الحوارات التي تحمل وتستبطن جوانب فكريّة في غاية الأهمّيّة، إلى الكفّ عن النظر إلى المرأة على أنّها ضلع أعوج، أو كائن قاصر، أو مخلوق ضعيف… إلى آخر تلك الأقاويل التي تحاك حولها، للحطّ من أيّ عمل تقوم به، أو يمكن أن تقوم به، كما أنّه لا يغفل التركيز والتذكير بسياسة الدولة القائمة على الإعلاء من شأن المرأة، نقرأ ما يصرّح به عبدالله بسخط حول تعيين دانة رئيساً لوحدة تقنيات المعلومات بناء على تعليمات المدير العامّ: «هذا ما كان ينقصنا، امرأة تلقي علينا محاضرة مطوّلة في التاريخ العريق لأحوال المرأة، ومسؤول شؤون موظّفين أبله يدعمها بحماس وكأنّها تحفة من هذا الزمان». ص69. حيث أنّ السخط الممزوج بامتعاض يحمل الكثير من وجهات النظر الفحوليّة التي تحصر المرأة في جوانب بعينها، لكنّ الدولة تقف في وجه معادي المرأة، وتنتصر للمرأة في معركة الحياة.. وما استهلال الكاتب بمقولة للشيخ زايد حول حقوق المرأة، إلاّ إيماناً بما يدعو إليه، وتعزيزاً لما يؤمن به، حيث يقول: «إنّ المرأة هي نصف المجتمع، وهي ربّة البيت ولا ينبغي لدولة تبني نفسها أن تبقي المرأة نصف مجتمعها غارقة في ظلام الجهل، أسيرة لأغلال القهر، مقيّدة مشلولة الحركة».
في رواية «عندما تطمح المرأة» تتقاطع المصائر، تتطوّر الأحداث، تتغيّر الذهنيّات، تبلغ المرأة مستويات رفيعة، تغيّر العالم المحيط بها، ذلك كلّه بفضل طموحها الكبير الساعي لتحقيق ذاتها وكينونتها، كي تكون منسجمة مع نفسها، مفيدة لمجتمعها، قادرة على القيام بواجباتها في مجتمع يكفل لها حقوقها وواجباتها، ولا يتهاون مع مَن ينال منها، أو يسيء إليها.
تنتهي الرواية نهاية منشودة مشتهاة، وهي تدبير منحة دراسيّة لدانة كي تستكمل دراساتها العليا، نظراً لتميّزها وسجلّها الحافل، بعد سلسلة من العراقيل التي كانت توضع في طريقها. تنظر دانة إلى حميد في تأثّر، تشعر بسعادة كبرى عندما يطلق عليها «دكتورة»، تبتسم بعذوبة، تمدحه بأجمل ما فيه، لأنّه يغدو كامل الرجولة حين إقراره بحقوق المرأة كاملة، لتكتمل الدائرة، وتحظى المرأة المتمثّلة بدانة المبدعة بفرصة لإثبات ذاتها، والمساهمة في خدمة مجتمعها، وتقوية نفسها بالعلم والمعرفة، دون أن يخدش تفوّقها الأكاديميّ العلميّ كبرياء الرجل الذي تتغيّر نظرته للأمور بالتقادم والتجارب..
يلاحظ الانتقال الزمنيّ السريع من قبل الكاتب في الفصول الأولى، «الفصل الأوّل 1978، الفصل الثاني 1986، الفصل الثالث 1998»، حيث يقابل هذا الإيقاع الزمنيّ المتواتر إيقاع بطيء موزون بتفصيل وتدقيق على كلّ حركة أو فكرة، حيث أنّ الفصول اللاحقة «مجموع الفصول تسعة وأربعون فصلاً» تحمل رسائل الكاتب حول الواقع المعالَج المقدَّم على صفحات الرواية، الواقع الروائيّ المتماسّ مع الواقعيّ، المتقاطع معه، ذلك أنّ الكاتب يسعى إلى تقديم لقطات مفصّلة عن تطوّر المكان عبر سيَر شخصيّات ولدت وكبرت في هذا المكان الذي ينفتح على كثير من الأمكنة، يحتويها كما يحتوي الأشخاص المختلفين المتوجّهين إليه، الراغبين في الالتذاذ بخيراته.
تحفل الرواية الضخمة «344 صفحة من القطع الكبير» بالكثير من الموضوعات والوقائع حول جوانب من الحياة الاجتماعيّة في الإمارات. ولا يخفى أنّ الروائيّ سلطان الزعابيّ يولي التفاصيل المدروسة عناية خاصّة، يهتمّ بها إلى أبعد حدّ، كأنّه بصدد التحضير لعمل دراميّ، يخرجه بالمشاهد المكتوبة، يخلق عند القارئ صورة عمّا يصوّره في روايته، ما يضفي على كتابته المصداقيّة والعفويّة، ويقدّمه روائيّاً ملتزماً ينهمّ للقضايا العامّة، بالتوازي مع الحالات الفرديّة المتعدّدة التي يقدّمها في روايته، هذا على الرغم من بعض المباشرة التي حرص على تغليفها في ثنايا الحوارات – الحروب الدائرة، وعلى ألسنة شخصيّاته الباحثة عن ذاتها في خضمّ بحر من التغيّرات والتوازنات
|